الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

167

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

امتناعهم من الامتثال لدعوته . ويجوز أن يكون ألا حرفا واحدا هو حرف التحضيض مثل قوله تعالى : أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ [ التوبة : 13 ] وهو يقتضي تباطؤهم عن تصديقه . والمراد بالتقوى : خشية اللّه من عقابه إياهم على أن جعلوا معه شركاء . وجملة : إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ تعليل للإنكار أو للتحضيض ، أي كيف تستمرون على الشرك وقد نهيتكم عنه وأنا رسول لكم أمين عندكم . وكان نوح موسوما بالأمانة لا يتهم في قومه كما كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يلقب الأمين في قريش . قال النابغة : كذلك كان نوح لا يخون وتأكيده بحرف التأكيد مع عدم سبق إنكارهم أمانته لأنه توقّع حدوث الإنكار فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة ، فإن الأمانة دليل على صدقه فيما بلّغهم من رسالة اللّه ، كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله : هل جربتم عليه ( يعني النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) كذبا ، فقال أبو سفيان : لا ونحن منه في مدة لا ندري ما فعل فيها . فقال له هرقل بعد ذلك : فقد علمت أنه ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على اللّه . ففي حكاية استدلال نوح بأمانته بين قومه في هذه القصة المسوقة مثلا للمشركين في تكذيبهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم تعريض بهم إذ كذبوه بعد أن كانوا يدعونه الأمين ، ويحتمل أن يراد به أمين من جانب اللّه على الأمة التي أرسل إليها . والتأكيد أيضا لتوقع الإنكار منهم . وجملة : وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ عطف على جملة : إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أي علمتم أني أمين لكم وتعلمون أني لا أطلب من دعوتكم إلى الإيمان نفعا لنفسي . وضمير عَلَيْهِ عائد إلى معلوم من مقام الدعوة . وقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ تأكيد لقوله : أَ لا تَتَّقُونَ وهو اعتراض بين الجملتين المتعاطفتين . وكرر جملة : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ لزيادة التأكيد فيكون قد افتتح دعوته بالنهي عن ترك التقوى ثم علل ذلك ثم أعاد ما تقتضيه جملة الاستفتاح ، ثم علل ذلك بقوله : وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ، ثم أعاد جملة الدعوة في آخر كلامه إذ قال : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ مرة ثانية بمنزلة النتيجة للدعوة ولتعليلها .